يوم ما شفت بنتي الصغيرة بتخبي إيديها من البرد عشان الجوانتي اللي لبستهولها كان مقطوع، عرفت إن الوجع مش دايمًا بييجي من الغريب، ساعات بييجي من أقرب الناس ليك، من الشخص اللي كنت فاكرة إن دمه عمره ما يهون عليه يشوفك مكسورة.
أنا اسمي نادية، عندي تلاتة وتلاتين سنة، ومن يوم ما مات جوزي حسام من سبع شهور، وأنا بحاول أقف على رجلي من جديد عشان ولادي ياسين عنده تسع سنين، وليلى عندها ست سنين. حسام كان موظف في شركة مقاولات، ومرتبه على قدنا، لكن عمره ما خلانا نحس إننا محتاجين حاجة.
كان بيشتغل طول اليوم، ولما يرجع البيت يقعد مع ولاده ويسمع حكاياتهم، وكان دايمًا يقولي إن أخويا الكبير شريف هو أماننا بعد ربنا لو الأيام غدرت بينا. شريف كان أكبر مني بسبع سنين، وبعد وفاة أبويا وأمي بقى هو أقرب حد ليا في الدنيا.
لما اتجوزت حسام، كان شريف لسه بيبدأ حياته، وكنت بساعده من فلوسي اللي كنت بحوشها، وأوقات كنت ببيع دهبي عشان أقف جنبه لما يتزنق. عمري ما حسبت له حاجة، ولا حسسته إنه مدين لي بجميل، لأنني كنت شايفة إن الأخوات مش بيتعاملوا بالحسابات.
لكن بعد ما شريف اتجوز داليا، كل حاجة اتغيرت بالتدريج. داليا كانت بتحب المظاهر، ودايمًا تقارن حياتها بحياة غيرها. لو اشترت حاجة، لازم تعرف أنا جبت زيها ولا لأ، ولو شافت حسام جايب لي هدية، تفضل تسأل عن تمنها وكأن الموضوع يخصها.
كنت بتجنب الاحتكاك بيها، وبقول لنفسي إن كل بيت وليه طبعه، وإن شريف أكيد فاهم شخصيتها أكتر مني. لما حسام مات فجأة بعد أزمة قلبية، حسيت إن سقف البيت وقع فوق دماغي. كنت لسه مش مستوعبة إني مش هشوفه تاني، وفي نفس الوقت لازم أواجه مصاريف البيت والمدرسة والعلاج وكل المسؤوليات اللي سابها وراه.
معاشه كان قليل، وأنا ما كنتش بشتغل، لكن كان عندي شوية فلوس محوشاها، وبدأت أصرف منها بحساب شديد. شريف حضر العزا، وفضل معايا يومين، وبعدها رجع لشغله وبيته. كنت متوقعة إنه يسأل علينا كل كام يوم، أو ياخد الولاد عنده في الإجازة عشان يغيروا جو، لكنه بقى يتصل مرة كل أسبوعين، وأحيانًا يعدي شهر كامل من غير ما أسمع صوته.
كنت لما أعاتبه يقول لي إنه مضغوط، وإن داليا تعبانة مع العيال، وإن شغله مش سايبه. وكنت أصدق كلامه، مش لأني مش شايفة تقصيره، لكن لأني كنت خايفة أعترف لنفسي إن السند اللي فضلت عمري أتكلم عنه ممكن يكون مجرد وهم.
قبل وفاة حسام بشهر تقريبًا، حصل موقف ما كنتش فاهمة معناه وقتها. حسام طلب مني أطلع علبة قديمة من دولاب مكتبه، وطلع منها ورقة مطوية ومحطوطة جوه ظرف بني. اداهالي وقال لي: «خلي الورقة دي عندك يا نادية، وما تفتحيهاش إلا لو اضطريتي، ولو في يوم حسيتِ إن حد بيحاول ياخد منك حقك أو يضغط عليكي وإنتِ لوحدك، ساعتها بس هتعرفي تعملي إيه».
سألته عن الورقة، لكنه ابتسم وقال لي إنه مجرد احتياط، وإنه مش عايزني أشيل هم حاجة دلوقتي. حطيتها وسط أوراقي المهمة، وبعدها بأيام دخل المستشفى، ورحل قبل ما أقدر أسأله عن أي تفاصيل. عدت الشهور وأنا بحاول أدبر حياتي، لحد ما جه يوم الخميس اللي مش هنساه طول عمري.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.